حكايات نفسية " حكاية وليد "
د. هند أحمد
استشاري نفسي وأسري
حكاية وليد
لم تكن الأسرة السعيدة تتوقع أن تتحول حياتها الهادئة إلى فصل جديد، مليء بالتساؤلات والتحديات العاطفية، حين رُزقوا بطفلهم الثالث.
في البداية، بدا وليد طفلًا عاديًا، لكن قدومه حمل في طياته بذور تحوّل نفسي عميق للعائلة بأكملها.
كان وليد طفلًا شديد الحساسية؛ يصرخ لساعات طويلة بلا سبب واضح، ينتفض عند أي صوت مرتفع، ويرفض الاختلاط بالآخرين.
وفي سنواته الأولى، عاش الوالدان حالة من الحيرة والإنهاك. تساءل الأب مرارًا إن كانت المشكلة فيه، بينما اتهمت الأم نفسها بأنها لا تعرف كيف تطمئن طفلها الجديد رغم خبرتها مع ولديها الأكبر سنًا.
ومع مرور الوقت، بدأ التوتر يمتد إلى العلاقة الأسرية كلها: بين الأم والأب، وبين الوالدين وأطفالهما.
تغيرت ديناميكية المنزل؛ شعر الإخوة بالإهمال، غرقت الأم في شعور دائم بالذنب، ووجد الأب نفسه مختنقًا بين ضغوط العمل والمنزل، عاجزًا عن فهم ما يحدث.
وفي أحد الأيام، وبينما كانت الأم تحاول تهدئة نوبة بكاء جديدة، انهارت باكية أمام طبيبة الأطفال. كانت تلك اللحظة نقطة التحول؛ إذ أوصت الطبيبة بزيارة أخصائي نفسي للأطفال، إلى جانب أخصائي أسري للعائلة بأكملها.
بدأت الأسرة رحلة علاجية امتدت لأشهر استهل الأخصائي عمله بفهم الخلفية العائلية والضغوط التي يعيشها كل فرد، ثم أوضح أن وليد يعاني من اضطراب المعالجة الحسية؛ وهو ليس مرضًا خطيرًا لكنه يتطلب فهمًا خاصًا وطرق تعامل مختلفة.
مع هذا التشخيص، أدرك الوالدان أن المشكلة لم تكن خطأ أحد، وأن ما يحتاجه ابنهما هو بيئة أكثر هدوءًا وتنظيمًا.
تلقى وليد جلسات علاج وظيفي، بينما خضع الوالدان لجلسات إرشاد أسري؛ تعلم الأب خلالها كيف يعبّر عن مشاعره بدلًا من دفنها، وتعلمت الأم تقنيات التنفس والاسترخاء لمساعدتها على مواجهة التوتر دون الوقوع في جلد الذات.
كما حصل الإخوة على جلسات لدعم تفهم مشاعرهم، ليعرفوا أن اهتمام الوالدين بوليد لا يعني حبًا أقل لهم.
ومع الوقت، تغيّر كل شيء.
لم يعد وليد مختلفًا بل أصبح مفهومًا.
تحولت الأسرة من دائرة ضغط إلى دائرة دعم متماسك، وتعلم أفرادها الإصغاء والاعتراف بمشاعرهم، وبناء حدود صحية بينهم.
وفي النهاية، أدرك الوالدان أن وليد لم يكن عبئًا، بل كان معلّمًا صغيرًا جاء ليقودهم نحو فهم أعمق لأنفسهم وللحياة.

إرسال تعليق