الفن والرياضة حين يتحولان من جسور للتواصل إلى أدوات للفرقة
الفن والرياضة حين يتحولان من جسور للتواصل إلى أدوات للفرقة
بقلم : الكاتب عماد الدين محمد
لطالما شكّل الفن والرياضة أحد أنبل جسور التقارب الإنساني، وأقوى الوسائل القادرة على تجاوز الحواجز اللغوية والسياسية والثقافية، وبث قيم التسامح والانتماء المشترك.
غير أن المشهد العربي في السنوات الأخيرة شهد انحرافًا مقلقًا في توظيف هذين المجالين، حيث تحوّل بعض ما يُقدَّم باسم الفن أو الرياضة إلى أدوات لإثارة التعصب، وبث الفرقة، وخلق أزمات مفتعلة بين شعوب يفترض أن يجمعها تاريخ واحد ومصير مشترك.
في مجال الفن، برزت أعمال درامية وإعلامية ابتعدت عن رسالتها التنويرية، وانزلقت إلى الإساءة المتبادلة والسخرية من اللهجات والهويات، أو تشويه تاريخ دول وشعوب شقيقة. ومع الانتشار الواسع لمنصات التواصل الاجتماعي، بات تصريح غير مسؤول لفنان، أو مشهد درامي مشحون بالتحريض، كفيلًا بإشعال موجات من الغضب والجدل، تتحول سريعًا إلى تبادل اتهامات وإساءات بين جماهير عربية.
وهكذا يُستبدل دور الفن في بناء الوعي وتعزيز الانتماء، بدور هدام يغذي الانقسام ويكرّس الصور النمطية السلبية.
أما الرياضة، التي كانت ولا تزال لغة عالمية للوحدة والتنافس الشريف، فقد تحوّل بعضها في مناسبات عدة إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية والإعلامية.
مباريات كرة القدم، على سبيل المثال، لم تعد مجرد منافسات رياضية، بل أصبحت أحيانًا معارك كلامية بين جماهير وإعلاميين، تتخللها شتائم وتحريض قومي، واستدعاء لخلافات تاريخية أو سياسية لا علاقة لها بالملاعب.
ويتفاقم المشهد حين تُستغل هذه المشاعر من بعض المنابر الإعلامية بحثًا عن نسب مشاهدة أعلى، أو من أطراف ترى في إثارة الفتن وسيلة لتحقيق مكاسب ضيقة.
الأخطر في هذا التوظيف السلبي للفن والرياضة أنه يستهدف الوعي الجمعي، لا سيما لدى فئة الشباب، فيزرع فيهم مشاعر الكراهية والتعصب بدلًا من روح الإخاء والتنافس النزيه. كما أنه يُضعف أي محاولة لبناء مشروع عربي مشترك، ويُضخّم الخلافات الهامشية على حساب القضايا المصيرية التي تحتاج إلى وحدة الصف والتكامل.
ومن هنا، تبرز مسؤولية كبرى على عاتق الفنانين والرياضيين والإعلاميين، بوصفهم شخصيات مؤثرة في الرأي العام.
فالكلمة، واللقطة، والتصريح، قد تكون جسرًا للتقارب، أو شرارة لفتنة يصعب إخمادها. كما تقع مسؤولية موازية على المؤسسات الثقافية والرياضية والإعلامية، لوضع مواثيق أخلاقية واضحة تمنع استغلال الفن والرياضة في التحريض أو الإساءة، وتشجع على تقديم نماذج إيجابية تعكس القيم المشتركة بين الشعوب العربية.
وتؤكد الوقائع المتداولة أن المشكلة ليست في الفن أو الرياضة ذاتيهما، بل في سوء الاستخدام وغياب المسؤولية، والسعي وراء “الترند” والشهرة على حساب وحدة الشعوب.
فحين تُستغل الأعمال الدرامية للسخرية من شعوب أو لهجات، أو تُستخدم المباريات الرياضية لشحن الجماهير بلغة التخوين والثأر، أو تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات للتنمر والسخرية المنظمة من دول بأكملها، فإن النتيجة الحتمية تكون تعميق الشقاق بدل تعزيز التقارب.
الخلاصة
يبقى الفن والرياضة سلاحين ذوي حدين: إما أن يكونا وسيلة لبناء الوعي وتعزيز الوحدة العربية، أو أداة لتمزيق النسيج الاجتماعي وبث الفرقة.
والاختيار، في جوهره، لا يتعلق بطبيعة الفن أو الرياضة، بل بالضمير الذي يوجههما، وبالرسالة التي نختار أن نبثها من خلالهما. فإذا أُعيد توجيههما إلى دورهما الحقيقي، كانا من أقوى أدوات التقريب بين أبناء الأمة، لا وقودًا لخلافات لا تخدم إلا قلة تبحث عن مكاسب آنية على حساب مستقبل الشعوب.


إرسال تعليق